القاضي عبد الجبار الهمذاني
240
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أن تحدّيه بالقرآن ، في أي حال يثبت ، فقد صح المراد ؛ لأنه كان يجب أن يمكنوا من المعارضة ، وأن لا يعدلوا عنها إلى غيرها ؛ وأن لا يمنعهم من ذلك حرب ولا غيره ؛ وسنشبع القول في ذلك من بعد . ثم يقال للسائل : أفيجوز على الجمع العظيم ، مع توفر العقول ، والبصيرة ، وقوّة الرأي والعزيمة ، أن ينقادوا لمن يدّعى النبوّة ، ويلتزموا أمره ونهيه ، من غير أن يظهر دلالة يتميز بها منهم ! . . فإن جوّز ذلك فهو بمنزلة من جوّز عليهم قلب العقول والعادات ؛ لأن العادة جارية بالضدّ ، من ذلك في ذوى الهمم ، من حيث لا يدخلون تحت الخضوع والتذلل لغيرهم ، إلا عند أسباب تلجئهم وتضطرهم ؛ أو يحصل لهم عندها الرغبة والرهبة ؛ ومتى اختبرنا الحال ؛ في يسير من الأمور وجدناه كذلك ، فضلا عن الرجوع لمن يدّعى النبوّة ، والدخول تحت الطاعة والشريعة ! . وإن منع من ذلك الوجه الّذي ذكرناه ، وقال : كيف يجوز ويتوهم أن يكون القوم على اختلاف هممهم ، ووفور عقولهم ، ومع كونه مستضعفا بينهم ، لم تتقدم له رئاسة عليهم ، أن ينقادوا له ، من دون أمر ، يتميز به منهم ، أو يدعى ذلك فيه ، ويحصل فيه من الشبهة ما يوجب الانقياد ! . . إن ذلك مما يستبدع ، ولا يجوز ! . قيل له : أفما دلك ذلك على أنه ، صلى اللّه عليه ، لا بدّ مع ادعائه النبوّة أن يكون مظهر الدلالة ، يتميز بها كالقرآن وغيره . وبعد . . فإنا لا نعلم في المستجيبين ما ذكرناه : نعلم أن من خالف وعاند ، على اختلاف همهم ووفور جمعهم ، وما اشتهر من الأبية ، والأنفة فيهم لا يجوز